عفيف الدين التلمساني
187
شرح مواقف النفري
البيوت فيكاد السوى يخطفه ، أي يكاد الحجاب يستولي عليه بالكلية ، فلا يرى إلا السوى كحال العوام ، وذلك هو خطف السوى له لكنه يعتصم بحبل اللّه تعالى في الشهود فينعدم العدم في وجود الوجود . وأما حال الآخر وهو الأنقص مقاما مما ذكر ، فهو الذي لاحت له بوارق الوحدانية ولم يستول عليه فإذا فرضنا أن هذا هو المخاطب بهذا التنزل كان معناه أما تراه إذا عمرته بسواي إذا لم يزل بعد عن السوى يكاد في كل جزئية منه يخطفك خاطف من بوارق التوحيد أو شارق من شوارق التفريد فيكاد يلحقك بالتجريد ، وذلك هو الخاطف المذكور ، فإذن الخاطف بالنسبة إلى الأول هو لمح من ملاحظة السوى الداعي إلى الحجاب . وبالنسبة إلى الثاني هو لمح من ملاحظة النور الرافع لظلمة الحجاب ، وكلا هذين الرجلين يصلح أن يخاطب بهذا التنزل وأمثاله من الخطاب ، واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل . قوله : ( وقال لي : خذ فقه بيتك بنعمتي تتنعم به ) . قلت : فقه البيت هو رؤية أنه من جملة البيت المعمور وإن الساكن فيه ليس بمغاير ، فإذا رآه بهذه العين تنعم وتنعمه لأنه إنما رأى هذه الرؤية بنعمة اللّه تعالى لا سعيه من حيث هو ساع ، بل من حيث لا هو غير . قوله : ( وقال لي : إذا رأيتني في بيتك وحدي فلا تخرج منه وإذا رأيتني والسوى فغط وجهك وقلبك حتى يخرج السوى فإنك إن لم تغطهما خرجت وبقي السوى وإذا بقي السوى أخرجك من بيتك إليه فلا أنا ولا بيت ) . قلت : معناه إذا رأيت وجد الوحدانية في شهود جزئي فلا بد وأن يكون رسم منك باقيا ، وحينئذ يقتضي مقامك أحد الأمرين : إما أن يغلب عليك شهود الوحدانية فيفنى ما بقي من رسمك ، فتراه وحده تعالى ، وحينئذ تكون به في البيت لا بك فأقم فيه به ، وإما أن يغلب عليك الحجاب فترى السوى فينحجب عنك وجه الوحدانية فترجع إلى السوى لا حائل بينك وبينه فيخرجك من بيتك الذي كنت تستحقه أن لو شهدت الوحدانية ووجه استحقاقك إياه أن يكون الحق سمعك وبصرك ويغنيك به عن كل ما منك فتستحق ما هو تستحقه